البغدادي

279

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب

جونتا المصطليين ، فيصير كقولك الهندان حسنتا الثوبين . فلم يستعمله على الإتمام والأصل ، ولا على الاختصار والحذف ، ولكن جعله كقولك : هذه امرأة حسنة وجهها ، فثنّى الجونة وهما وصفا الجارتين وأضافه مثنّى إلى المصطلى ، وهو هما في المعنى ، إلّا أنّه وضع الواحد موضع الجمع فيمن قال : حسان الوجوه ، وموضع التثنية فيمن قال : صفا رحليهما ، وهو المصطلى ، ألا ترى أنّ لكلّ واحدة من الجارتين مصطلى . وإن وجّهته على أنّ المصطلى يكون جميع ذلك وأحد ، لم يضع واحدا موضع جمع ، ثم أضاف مصطلى إلى ضمير الجارتين كما أضاف الوجه في قوله هذه امرأة حسنة وجهها إلى ضمير المرأة بعد إضافة حسن الذي هو الوجه في المعنى إلى الوجه . فعلى هذا وضع سيبويه هذا البيت . وقد يحتمل غير ما تأوّله ، وهو ما ذكره بعضهم : من أنّ الشاعر إنّما ردّ الضمير المثنّى في قوله مصطلاهما إلى الأعالي ، لأنه في الحقيقة اثنان . وهذا مثل قوله « 1 » : ( الطويل ) رأت جبلا فوق الجبال إذا التقت * رؤوس كبيريهنّ ينتطحان ولست أعرف من قائل هذا القول ، إلّا أنّه ليس بممتنع . ويخرج الكلام به من أن يكون على قولك : هند حسنة وجهها ، لأنّ الضمير المثنّى على هذا في قوله مصطلاهما ، ليس يرجع إلى الجارتين ، إنّما يرجع إلى الأعالي ؛ لأنّ الأعالي وإن كان مجموعا في اللفظ فهو اثنان في المعنى ، فحمله على ذلك ، فكأنه قال جونتا مصطلاهما الأعالي . وإذا كان كذلك لم يكن على حسنة وجهها ، لأن الجونة لم تضف إلى اسم يتّصل به ضمير يعود إلى الجارتين كما يعود من الاسم الذي بعد الصفة في قولك هند حسنة وجهها ضمير يعود إلى هند ، لكون الضمير العائد إلى الجارتين محذوفا ، كما أنّ الضمير من هند حسنة الوجه ودعد حسنة وجه الأب محذوف ، فلذلك أنّث جونة من قوله جونتا مصطلاهما ، كما أنّث حسنة في قولك هند حسنة الوجه ، لأنه لم يعد فيه إلى هند ضمير .

--> ( 1 ) البيت بلا نسبة في الأشباه والنظائر 2 / 216 ؛ والخصائص 2 / 421 ؛ ولسان العرب ( رأس ) .